}
A L - R A H M A F O U D A T I O N

Follow Us

من الألم إلى الأمل

سأروي لكم قصتي... قصة حملت بين سطورها من الألم والصدمات ما لا يتخيله بشر، لكنها انتهت بنور الأمل، والحمد لله.  أنا فتاة توفي والدي وأنا في السابعة من عمري. بعد وفاته عشت مع أمي عامين، وكانت، وما زالت، نعم الأم الحنون. لكن بعد عامين من وفاة والدي تزوجت، واضطرت إلى تركي في بيت أهلها، لأعيش بعيدة عن حضنها وحنانها، وأنا في أمسِّ الحاجة إليهما.  هناك بدأت أولى محطات الألم في حياتي. عشت أقسى أنواع القسوة، وعرفت منذ طفولتي معنى الظلم، وأنا لا أزال صغيرة لا أدرك ما يخبئه لي القدر.  كانت خالتي، أخت أمي، تعاملني بقسوة شديدة لم أفهم لها سببًا. وكانت الصدمة الكبرى عندما سمعتها تتمنى إخراجي من البيت والتخلص مني، حتى تحقق لها ما أرادت، واضطرت أمي إلى أخذي معها إلى منزل زوجها في إحدى المناطق الريفية.  سألت أمي عن سبب كلام خالتي، فأكدت لي أنها لا تريدني أن أعيش معهم، ولا أن تتحمل مسؤوليتي. كانت كلماتها صدمة لم يبرأ منها قلبي حتى اليوم. وفي تلك الليلة لم يغمض لي جفن من شدة البكاء والحيرة، وكنت أتساءل: كيف يمكن أن تنزع الرحمة من القلوب؟ وما ذنبي سوى أنني فقدت أبي، فلم يعد لي في هذه الدنيا من يحميني أو يحتويني؟  حاولت بعد ذلك أن أبدأ حياة جديدة، فالتحقت بالمدرسة، لكن معاناتي لم تنتهِ. فقد كنت أسمع كلمات جارحة من الناس، يقولون: "هذه هي الفتاة التي تخلت عنها خالتها، وتعيش عند زوج أمها." وكانت تلك الكلمات أكبر من أن تتحملها طفلة في مثل سني.  وفي يوم من الأيام، سمع أحد أقربائي عن مؤسسة الرحمة، فعرض على أمي فكرة التحاقي بها. وعندما طُرح الأمر على أمي الغالية "ماما رقية"، رحبت بي بكل حب.  لا أستطيع وصف فرحتي في ذلك اليوم. انتقلت إلى صنعاء، ودخلت دار الرحمة، وما زالت أول لحظة وطئت فيها قدماي المؤسسة محفورة في ذاكرتي. عندما رأيت ماما رقية لأول مرة، شعرت أن الأمل يبتسم لي من جديد، وكأنها تقول بعينيها: "هنا ستنسين كل ما مضى، وستبدئين حياة جديدة مليئة بالحب والحنان."  وازداد شعوري بالأمان عندما رأيت ابتسامات البنات من حولي، وكل واحدة منهن تهمس للأخرى: "هذه اليتيمة الجديدة." عندها توكلت على الله، وبدأت صفحة جديدة من حياتي.  في الليلة الأولى لم أنم من شدة البكاء حزنًا على ما فقدته، لكن بعد تلك الليلة، ولأول مرة في حياتي، شعرت أنني لست وحدي. كانت إحدى الأخوات في الغرفة تجلس بجانبي، تواسيني بكلماتها الطيبة، ولا تزال تلك الكلمات تسكن قلبي إلى اليوم.  عشت بعد ذلك أجمل سنوات عمري في مؤسستي الغالية، مؤسسة الرحمة. تعلمت فيها كيف أحب الآخرين، وكيف أتعامل معهم، وتعلمت معاني الأخوة والتعاون، والالتزام بالنظافة، كما تعلمت الطبخ، والتطريز، وفنون القيادة، وأكرمني الله بختم القرآن الكريم، واكتسبت الكثير من المهارات التي كان لها أثر كبير في بناء شخصيتي.  وكان الفضل، بعد الله سبحانه وتعالى، يعود إلى أمي الغالية "ماما رقية"، التي كانت سببًا في سعادتي، وأعادت إليَّ ثقتي بنفسي، وأنستني قسوة الماضي وكلام الناس، ونقلتني من ظلام الألم إلى نور الأمل، وبنت في شخصيتي خلال سنوات قليلة ما قد تعجز بعض الأسر عن بنائه في عمر كامل.  بعد انتهائي من المرحلة الثانوية، تقدم لخطبتي أحد الشباب. وعندما حدثتني ماما رقية عنه، كان شعوري كشعور أي فتاة يتقدم إليها عريس. تمت خطبتي في السابع والعشرين من رمضان، وحدد موعد زفافي في الخامس من ذي الحجة.  وفي يوم زفافي جلست معي أمي الغالية ماما رقية، وأهدتني خلاصة خبرتها في الحياة الزوجية، وقدمت لي نصائح وتوجيهات ما زلت أعيش بها حتى اليوم، وأستحضرها كلما واجهتني مواقف الحياة.  واليوم، وبعد اثني عشر عامًا من زواجي، أحمد الله الذي رزقني زوجًا صالحًا، كان وما يزال نعم الزوج، ونعم الأب، ونعم الأخ والسند.  وبعد عشرة أشهر رزقني الله بابني الأول "فضل"، وكانت فرحتي به لا توصف. ثم تشرفت بإرضاع الطفل "عبد الملك"، فأصبح أخًا لابني من الرضاعة، وأحببته كأحد أبنائي، بل وأكثر. وبعد ذلك رزقني الله بابني الثاني "وليد"، وبعد ثماني سنوات أكرمني بابنتي الجميلة "سيدرا".  كما تشرفت بالعمل في المؤسسة التي صنعت مستقبلي. ذهبت إلى محافظة إب للمشاركة في افتتاح فرع "دار الوفاء"، وعملت مسؤولة للفرع والعلاقات العامة والإشراف، وأقمت هناك مع زوجي حتى استقر العمل، ثم عدنا إلى صنعاء، حيث عملت مسؤولة للحضانة في المركز الرئيسي.  وبعدها انتقلت للعمل في إحدى المدارس، وما زلت أعمل فيها معلمة ومشرفة منذ سبع سنوات.  ولله الحمد، حققت نجاحًا في حياتي الأسرية والعملية، وحصلت على عدد من الدورات، منها: دورة اللغة الإنجليزية في المعهد الأمريكي، ودورة الحاسوب، ودورة التنمية البشرية، ودورة "اقرأ وتعلم"، ودورة النورانية.  كما حصلت على عدد من الشهادات، منها: أفضل معلمة لعام 2017، وأفضل مشرفة لعام 2018، وشاركت في إعداد الحفل الختامي للمدرسة، ونلت لقب أفضل مدربة إنشاد.  وكل ما وصلت إليه اليوم، بعد فضل الله سبحانه وتعالى، إنما هو ثمرة ما غرسته فيَّ أمي وتاج رأسي ماما رقية، والمؤسسة التي احتضنتني عندما كنت في أمسِّ الحاجة إلى من يمد لي يد العون. لقد أنستني ماضيًا لم يكن لي فيه ذنب سوى أنني يتيمة، ومنحتني فرصة لأقف بثقة، وأنافس، وأنجح، وأثبت أن اليُتم لا يمنع الإنسان من صناعة مستقبله إذا وجد من يحتضنه ويؤمن به.  ولا أنسى أخواتي في الدار، اللاتي شاركنني حزني وفرحي، وكنَّ خير سند في رحلة حياتي. فقد وجدت بينهن نعمة عظيمة لا تُشترى، وهي نعمة الأخوة الصادقة.  وستبقى أعظم نعمة أنعم الله بها عليَّ، بعد فضله سبحانه، هي وجود الأم والمربية الفاضلة ماما رقية، التي أحيت فيَّ، وفي كثير من غيري، روح الأمل، وأعادت إلينا معنى الحياة. وأسأل الله أن يحفظها، ويديم عليها الصحة والعافية، وأن يبارك في مؤسسة الرحمة، التي كانت وما زالت بيتنا الكبير، وملاذنا الآمن، ومصدر فخرنا واعتزازنا ما حيينا.