من اليُتم إلى صناعة الأمل
# من اليُتم إلى صناعة الأمل ## قصة نجاح بغداد وازع
كانت حياتنا في بدايتها مستقرة كحال كثير من الأسر. كان والدي يعيش حياةً كريمة، يوفر لنا احتياجاتنا ويحيطنا بالأمان. لكن هذه الحياة الهادئة لم تدم طويلًا؛ إذ طمع بعض الجيران في مال والدي، فسعوا إلى تزويجه من ابنتهم، رغم أن والدتي كانت لا تزال في فترة النفاس بعد ولادة أختي الصغرى "شروق". كان وقع الخبر على والدتي صادمًا، فسارعت إلى بيت والدها بحثًا عن السند، لكنها لم تجد فيه الملاذ الذي كانت تأمله. ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة من الألم والتفكك الأسري. كنا خمسة أطفال، أكبرنا لم يتجاوز التاسعة من عمره، وأصغرنا رضيعة لم تكمل شهرها التاسع. وفي العمر الذي كنا فيه بأمسّ الحاجة إلى حنان الوالدين ودفء الأسرة، وجدنا أنفسنا نواجه ظروفًا تفوق أعمارنا وقدرتنا على الاحتمال. ازدادت الخلافات بين والدي وزوجته الثانية وأهلها، حتى بلغت ذروتها في يومٍ مشؤوم، حين اجتمعوا عليه واعتدوا عليه بالضرب المبرح، وكانت إصابة رأسه هي الأخطر، فأفقدته عقله، وقلبت حياتنا رأسًا على عقب. وعندما شاهد أهل والدتي حال والدي، أجبروه على تطليقها، كما أجبرت عائلة الزوجة الثانية ابنتهم على طلب الطلاق أيضًا. وبعد تلك الأحداث اختفى والدي، ولم نعرف عنه شيئًا منذ ذلك الحين. اصطحبتنا والدتنا إلى قريتها لتعيش بالقرب من أهلها، لكنهم رفضوا استقبالنا. ولم يكتفوا بذلك، بل عزلوا والدتي عنا، وضغطوا عليها بكل الوسائل حتى توافق على الزواج من رجل اختاروه لها. وتحت وطأة الإكراه والمعاناة، رضخت للأمر الواقع، وتم تزويجها قسرًا. وبعد أن كثرت انتقادات الناس لأهل والدتي بسبب تركنا دون رعاية، أعادونا إلى منزل والدنا في صنعاء، تاركين إيانا نواجه الحياة وحدنا. وهناك حملت أختي الكبرى، وهي لم تتجاوز التاسعة من عمرها، مسؤولية أربعة أطفال. كانت تطهو لنا بما يجود به الجيران، وتحاول أن تكون لنا أمًا وأختًا في الوقت نفسه. وسط تلك العتمة، أرسل الله إلينا نورًا على هيئة جيران رحماء. وكانت من بينهم امرأة فاضلة تُدعى "أم ياسر"، عرفت بحالتنا، وكانت على معرفة بمؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية. فأرشدت بعض أقاربنا إليها، ومن هناك بدأت نقطة التحول في حياتنا. التحق إخوتي الذكور أولًا بإحدى دور الرعاية، ثم التحقنا نحن بمؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية بعد أن تدهورت أوضاعنا المعيشية والصحية. وما إن دخلت المؤسسة حتى شعرت أن أبواب الأمل قد فُتحت أمامي، وأن الحياة تمنحني فرصة جديدة لأحلم من جديد. وجدت في المؤسسة رعايةً واحتواءً وتعليمًا لم أكن أتخيل يومًا أن أحظى بها. واصلت أنا وأخواتي تعليمنا حتى تخرجنا من المرحلة الثانوية، وأكرمني الله بحفظ القرآن الكريم كاملًا، ثم أصبحت معلمة لتحفيظ كتاب الله. بعد ذلك التحقت بالعمل في مؤسسة الرحمة في قسمي التعليم والإشراف، فاكتسبت الخبرة والثقة، وأصبحت شخصًا يعتمد عليه في أداء كثير من المهام. ولم أتوقف عند ذلك، بل واصلت دراستي الجامعية في تخصص المحاسبة حتى تخرجت عام 2018، ثم التحقت بالعمل في مجال شؤون الأيتام، لأردّ شيئًا من الجميل لكل طفل يمر بالظروف التي مررت بها. كما حرصت على حضور العديد من الدورات التدريبية التي أسهمت في بناء شخصيتي وتطوير مهاراتي، فتحولت من فتاة أثقلتها المآسي إلى امرأة قوية، مؤمنة بقدرتها على النجاح، لا تعرف للاستسلام طريقًا. لقد غيرت تلك التجارب حياتي، وصقلت شخصيتي، ووسعت مداركي، وبدلت كثيرًا من قناعاتي. واليوم، وأنا أكتب قصة نجاحي، أقف بكل فخر وامتنان لله تعالى أولًا، ثم لمؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية، التي كانت ـ بعد فضل الله ـ سببًا في إعادة بناء حياتي، وصناعة مستقبلي، ومنحي فرصة لأكون إنسانة نافعة لمجتمعي. إن قصتي ليست قصة ألم فحسب، بل هي قصة انتصار على الظروف، ورسالة لكل من أثقلته المحن بأن الأمل لا يموت، وأن اليد التي تمتد بالعون قد تصنع مستقبل إنسان، وتغيّر حياة أسرة بأكملها. وأنا اليوم سعيدة بأن أكون إحدى ثمار مؤسسة الرحمة، ونموذجًا حيًا لما يمكن أن تصنعه الرحمة حين تتحول إلى عمل، والعطاء حين يتحول إلى رسالة.
