}
A L - R A H M A F O U D A T I O N

Follow Us

الفتاة التي لم تنكسر

 الفتاة التي لم تنكسر     من كانت له بدايةٌ محرقة، كانت له نهايةٌ مشرقة.   

 ليست كل الطفولة ألعابًا وضحكات، فهناك أطفال يولدون وفي أعينهم أسئلة أكبر من أعمارهم، ويحملون على أكتافهم الصغيرة ما تعجز عنه قلوب الكبار. كنت واحدةً من هؤلاء.    منذ سنواتي الأولى، كنت أشعر أنني خُلقت لرسالة أكبر من عمري، وأن الله يهيئني لشيء عظيم، رغم أنني لم أكن أفهم حينها معنى الألم، ولا لماذا اختارني القدر لأتعلم دروس الحياة مبكرًا.   

أتذكر أولى الصور التي احتفظت بها ذاكرتي وأنا في الثانية من عمري. كنت ألعب مع إخوتي، بينما كان صوت الشجار يرتفع بين أبي وأمي. لم يكن إخوتي يدركون ما يحدث، أما أنا فكنت أتوقف عن اللعب، وأتجه نحو أبي متظاهرةً بالعطش، أطلب منه كوبًا من الماء. لم أكن عطشى في الحقيقة، لكنني كنت أعلم أن حبه لي سيدفعه إلى ترك الشجار والالتفات إليّ.  ربما كنت صغيرة على فهم الحياة، لكن قلبي كان يرى ما لا يراه الآخرون. 

   ومع مرور الأيام، اشتد المرض على أمي، ثم جاء اليوم الذي غيّر حياتي إلى الأبد. كنت في الرابعة من عمري حين فقدت أبي. لم أفهم معنى الموت، لكنني فهمت أن البيت الذي كان يملؤه الأمان أصبح موحشًا، وأن حضنًا لن يعود أبدًا.    لم تتحمل أمي صدمة الفقد، فتدهورت حالتها النفسية حتى فقدت اتزانها العقلي. وفي لحظة واحدة أصبحت يتيمة الأب، وأمي غائبة عني وهي لا تزال على قيد الحياة. 

 اختارتني عماتي لأعيش معهن، بينما تفرق إخوتي بين البيوت. منذ ذلك اليوم، بدأت رحلة طويلة من التنقل، لا بحثًا عن بيت، بل بحثًا عن شعور بالانتماء تنقلت بين تسع عمات وثلاث من بناتهن. عرفت في تلك البيوت وجوهًا كثيرة، ورأيت ألوانًا مختلفة من الحياة؛ عشت الرفاهية كما عشت الحاجة، وذقت العدل كما ذقت الظلم، لكن شيئًا واحدًا لم يتغيركان الحنين إلى أسرتي.   

ما زلت أذكر تلك العبارة التي غرستها إحدى عماتي في قلبي بعد وفاة أبي، حين قالت: "مات أخي... فمتم أنتم معه."    كانت كلمات قاسية، لكنها لم تقتل في داخلي الأمل، بل صنعت مني إنسانة أكثر إصرارًا على أن أثبت أن موت الأب لا يعني موت الأحلام.     

كنت أهرب من ضجيج الحياة إلى دفاتري. أكتب فيها أحلامي، وأرسم مستقبلًا لم أكن أعرف كيف أصل إليه، لكنني كنت أؤمن أنه ينتظرني.    وفي المدرسة، وجدت عالمي الحقيقي. كنت أجتهد حتى أحصل على المراكز الأولى، لا لأتفوق على زميلاتي، بل لأثبت لنفسي أن الظروف لا تستطيع أن تهزم الإنسان ما دام يؤمن بقدرته على النهوض لكن الحياة لم تكتفِ بما مضى.    كلما تعلقت ببيت، فارقت من فيه. كانت إحدى عماتي ترحل عن الدنيا، فأنتقل إلى بيت عمة أخرى، ثم يتكرر المشهد من جديد. حتى أصبح الفراق رفيقًا دائمًا، وأدركت أن بعض الناس يتعلمون الاستقرار، بينما تعلمت أنا كيف أبدأ من جديد في كل مرة. 

  كبرت... وكبرت معي أحلامي.    وحين عدت لأعيش مع إخوتي، شعرت كأنني ضيفة في بيت أعرفه ولا يعرفني. أكثر ما كان يؤلمني حال أختي التي كانت تصغرني بعام واحد. كانت شديدة الرقة، تحمل قلبًا لا يعرف إلا الحب، لكن الحياة أثقلته بالقهر والإهانة حتى بدأت تنسحب من الحياة شيئًا فشيئًا.   

 تركت دراستي في عدن، وعدت إلى أبين لأكون إلى جانبها. لم أستطع أن أتركها تواجه ألمها وحدها، حتى وإن كان الثمن أن أعيش الظروف نفسها.    كنت أراها تذبل أمام عيني كل يوم، بينما يقف كثيرون عاجزين عن الاعتراف بمعاناتها، أو غير مكترثين بها. حاولت أن أزرع الأمل في قلبها، وأن أكون لها الأخت والأم والصديقة، لكن بعض الجراح تكون أعمق من أن يداويها البشر.   

وفي ليلة عيد الفطر، بعد شهر كامل من الدعاء، وقع ما لم أتخيل يومًا أن أراه. استيقظت على صرخات أمي وأختي، لأجد أخي، وقد غيّب السكر عقله، ينهال على أختي بالحديد. في تلك اللحظة، لم أفكر في نفسي، ولم أشعر بالخوف ، كل ما كنت أعرفه أن عليّ أن أنقذها وقفت بينهما بكل ما أملك من قوة، حتى وصلت الشرطة وأوقفت المأساة. يومها أدركت أن الدعاء لا يضيع، وأن الله يؤخر الفرج ليأتي في اللحظة التي نظن فيها أن كل شيء انتهى. 

  بعد تلك الحادثة، رافقت أختي إلى مستشفى الأمل في صنعاء للعلاج، وهناك تغيرت حياتي من جديد ثم فُتحت أمامنا أبواب مؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية...    ولأول مرة منذ سنوات طويلة...    شعرت أنني وصلت إلى المكان الذي كنت أبحث عنه طوال عمري هناك، لم أجد سقفًا يؤويني فقط، بل وجدت أسرة تؤمن بي، وقلوبًا احتضنتني، وأملًا أعاد تشكيل حياتي.    بدأت بحفظ القرآن الكريم، وهو الحلم الذي رافقني منذ طفولتي، وأتممت حفظه في ستة أشهر. ومع كل آية كنت أحفظها، كان شيء من الحزن يغادر قلبي، ويحل محله نور الطمأنينة.

     أكملت دراستي بتفوق، رغم كل ما مررت به، وحصلت على معدل **92%** في الثانوية العامة. صحيح أن حلم دراسة الطب في الخارج لم يتحقق كما وعدني بعض أقاربي، لكن الله عوضني بما هو أعظم؛ علمني أن النجاح الحقيقي ليس أن أصل إلى ما أراده الناس لي، بل أن أصل إلى ما كتبه الله لي.     تدرجت في العمل داخل المؤسسة، فتوليت مسؤولية المشاريع، وعملت معلمة لتحفيظ القرآن الكريم، ورُشحت ضمن أفضل خمس قيادات في المؤسسة. كما شاركت في العديد من الدورات التدريبية، ووجدت شغفي في الكتابة، حتى أصبحت أكتب المقالات الصحفية، وأواصل دراستي الجامعية في تخصص علوم الحاسوب.   

 اليوم، عندما أنظر إلى الوراء، لا أرى فتاة هزمتها المآسي، بل أرى فتاة صنعت من جراحها سلّمًا صعدت به نحو النجاح.    لم تكن قصتي قصة يتم، ولا قصة فقر، ولا قصة فقد...    كانت قصة إنسانة رفضت أن تسمح للظروف بأن تحدد مصيرها.    وأدين بعد فضل الله لكل يد امتدت إليّ بالعون، ولكل كلمة رفعت معنوياتي، وعلى رأسهم أمي الحبيبة **رقية الحجري**، التي منحتني الحب والأمان والاحتواء، وآمنت بي حتى آمنت أنا بنفسي.    ولا يزال حلمي يكبر كل يوم أن أكون **سفيرة لأيتام اليمن**، وصوتًا لكل طفل ظن يومًا أن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهه.    لقد علمتني الحياة أن المستحيل ليس إلا كلمة يرددها من توقف عن المحاولة أما أن  فكنت، وما زلت الفتاة التي لم تنكسر.**