حين سرقت الحياة طفولتي... وأهدتني الأمل
حين سرقت الحياة طفولتي... وأهدتني الأمل قصة نجاح لم أكن أعلم أن الطفولة يمكن أن تنتهي قبل أن تبدأ، وأن طفلًا في الثامنة من عمره قد يحمل همومًا تعجز عن حملها قلوب الرجال. كنت أعيش حياة بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لي أجمل حياة يمكن أن يحلم بها طفل.
لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك أغلى ما في الدنيا؛ أبًا يحتضننا، وأمًا تزرع الطمأنينة في قلوبنا، وإخوة نتقاسم معهم الضحكات قبل أن نتقاسم الدموع. كان بيتنا صغيرًا، لكنه كان واسعًا بوجود أبي. وحين كان يعود من عمله، أشعر أن الدنيا كلها عادت معه. لم أكن أخشى شيئًا سوى أن أفقده، ولم أكن أدرك أن الحياة تخبئ لنا وجعًا أكبر بكثير من مجرد الخوف.
في صباحٍ لن أنساه ما حييت، استيقظت على صوت أنين والدي. كان الألم ينهش جسده، بينما كانت نظرات أمي تمتلئ خوفًا لم أفهمه آنذاك. حملناه إلى المستشفى، وكل واحد منا يتمسك بأمل صغير أن يخبرنا الطبيب بأن الأمر عابر. لكن الأطباء خرجوا إلينا بخبرٍ غيّر حياتنا كلها. كان والدي مصابًا بمرض السكري، ولم يكن المرض مجرد اسم نسمعه، بل كان بداية رحلة طويلة من المعاناة. أخذ المرض يلتهم جسده شيئًا فشيئًا، بينما كان يلتهم طفولتي في الوقت نفسه. في أيام قليلة، تبدل كل شيء. اختفت ضحكات البيت، وغابت جلسات المساء التي كانت تجمعنا حول والدي، وحل محلها صمت ثقيل، لا يقطعه إلا صوت أنينه أو بكاء أمي وهي تحاول أن تخفي دموعها عنا. كنت أنظر إلى إخوتي الصغار فأشعر أن أحدًا يجب أن يكون قويًا من أجلهم. ولم يكن هناك أحد... لذلك قررت أن أكون أنا. لم أعد طفلًا، رغم أنني كنت في الثامنة من عمري. وضعت ألعابي جانبًا، وأمسكت بأعمال لم تكن تناسب طفلًا في مثل سني. كنت أخرج مع أخي، الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، نبحث عن أي عمل يوفر لنا ثمن دواء والدي. عملنا في الزراعة، وحملنا الأثقال، وأرهقتنا الشمس، وخدشت أيدينا الأشواك، لكن أكثر ما كان يؤلمنا أننا كنا نرى الأطفال في مثل أعمارنا يلعبون، بينما كنا نحن نتعلم كيف نحارب الحياة. كنا نتبادل العمل؛ أعمل أنا في النهار، ويعمل أخي في المساء، حتى ينال كل منا ساعات قليلة من الراحة. لكن الحقيقة أن الراحة كانت قد غادرت حياتنا منذ زمن. مرت ست سنوات ونحن نقاتل المرض والفقر واليأس معًا. كنا نتمسك بالأمل كما يتمسك الغريق بخشبة صغيرة وسط البحر، حتى جاء اليوم الذي فقدنا فيه كل شيء. رحل أبي... ورحل معه آخر ما كان يربطنا بالأمان. لم يكن البكاء أصعب ما عشته في ذلك اليوم، بل كان ما حدث بعد انتهاء العزاء. جاء أعمامي، وكانوا اثني عشر رجلًا، ظننت أنهم سيحتضنوننا كما كان أبي يفعل، وأنهم سيكونون السند الذي تركه لنا. لكنني سمعتهم يتحدثون عنا وكأننا أشياء يمكن تقسيمها. هذا يأخذ طفلًا... وذاك يأخذ آخر... وآخر يقترح أن تتفرق الأسرة كلها. كنت أنظر إلى إخوتي، وأشعر أن الموت أهون من أن أفقدهم واحدًا بعد الآخر. في تلك اللحظة فقط... فهمت لماذا يبكي اليتيم حتى وهو بين الناس. وفهمت أن اليُتم ليس موت الأب فقط... بل أن تشعر أنه لم يعد لك مكان في هذا العالم. لكن الله، الذي أغلق في وجهي أبوابًا كثيرة، كان يخبئ لي بابًا واحدًا سيغير حياتي كلها. كان اسم ذلك الباب... مؤسسة الرحمة للتنمية الإنسانية.
